نصر حامد أبو زيد
197
الاتجاه العقلي في التفسير
يثير خصوم المعتزلة - على الدليل السابق - اعتراضا آخر ، فحواه أن اللّه وإن كان يستحيل أن يرى في الدنيا ، فما المانع من رؤيته في الآخرة والحال غير الحال ؟ ويبنون هذا الاعتراض على أساس أن نفي الرؤية في الآية المقصود به الرؤية في الدنيا لا في الآخرة 189 ويبني المعتزلة ردهم على هذا الاعتراض على أساسين : الأساس الأول أن الآية وردت مورد التمدح ، واثبات ما تمدح اللّه بنفيه عن نفسه يوجب النقص . والأساس الثاني أن الآية عامة ولم تخصص بوقت دون وقت ، فلا دليل للخصوم على تخصيص عموم الآية ، والأصل في ذلك « أنه تعالى قد نفى أن يدرك بالأبصار نفيا عاما من غير توقيت ، فيجب القطع على أن المراد به في كل حال ، ولا فرق بين من قال إنه أراد به في الدنيا دون الآخرة ، وبين من قال إنه أراد بذلك في بعض أوقات الدنيا دون بعض على ما يذهب إليه بعض من يقول بالحلول . ولا فرق بين من قال ذلك في هذه الآية وبين من قال بمثله في سائر ما تمدح بنفيه عن نفسه ، نحو تمدحه بنفي السنة والنوم ، ونفي الصاحبة والولد ، ونفي المثل . فإذا وجب حمل ذلك أجمع على أن المراد به النفي وما كان نفيه مدحا مما يرجع إلى ذاته ، فاثباته له لا يكون إلّا نقصا . وصفات النقص لا تجوز على القديم سبحانه في الدنيا ولا في الآخرة ، فيجب أن لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة ، وأن لا يصح أن يكون المراد بالآية النفي في وقت دون وقت ، كما لا يصح أن يكون المراد بقوله : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ نفي ذلك في حال دون حال » 190 . وهناك دليل آخر يتشبث به المعتزلة على عدم جواز رؤية اللّه تعالى ، وهو دليل سمعي من قصة موسى عليه السلام ، والمقصود بذلك قوله تعالى لموسى حين طلب رؤيته لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي ( الأعراف / 144 ) « فنفى أن يراه وأكد ذلك بأن علقه باستقرار الجبل ، ثم جعله دكا ، ونبّه بذلك على أن رؤيته له لا تقع لتعليقه إياها بأمر وجد ضده على طريق التبعيد المشهور في مذاهب العرب لأنهم يؤكدون الشيء بما يعلم أنه لا يقع ( لا ) على جهة الشرط لكن على جهة التبعيد » 191 . ويبدو أن طلب موسى الرؤية من اللّه عز وجل بقوله رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ( الأعراف / 143 ) كان قد أثار لدى المعتزلة السابقين على القاضي عبد الجبار مشكلة تصدّوا لحلها . هذه المشكلة تتمثل في حل التعارض القائم بين قولهم بأن معرفة توحيد اللّه وعدله هي معرفة عقلية لا تستند إلى السمع ، وبين طلب موسى عليه السلام الرؤية ، مما يوهم بجهله - وهو النبي المعصوم - بصفات اللّه وما يليق به . وكان أن تصدّى علماء المعتزلة كأبي الهذيل العلاف ، وأبي على الجبائي إلى تأويل « النظر » في قوله رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ بأن المقصود به المعرفة الضرورية